محمد بن جرير الطبري

29

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عاصم ، قال قلت لأَنس : الصفا والمروة أكنتم تكرهون أن تطوفوا بهما مع الأَصنام التي نهيتم عنها ؟ قال : نعم حتى نزلت : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، قال : أخبرنا عاصم ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : إن الصفا والمروة من مشاعر قريش في الجاهلية ، فلما كان الإِسلام تركناهما . وقال آخرون : بل أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية في سبب قوم كانوا في الجاهلية لا يسعون بينهما فلما جاء الإِسلام تخوفوا السعي بينهما كما كانوا يتخوفونه في الجاهلية . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية ، فكان حي من تهامة في الجاهلية لا يسعون بينهما ، فأخبرهم الله أن الصفا والمروة من شعائر الله ، وكان من سنة إبراهيم وإسماعيل الطواف بينهما . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قال : كان ناس من أهل تهامة لا يطوفون بين الصفا والمروة ، فأنزل الله : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني الليث ، قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني عروة بن الزبير ، قال : سألت عائشة فقلت لها : أرأيت قول الله : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وقلت لعائشة : والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة فقالت عائشة : بئس ما قلت يا ابن أختي ، إن هذه الآية لو كانت كما أولتها كانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، ولكنها إنما أنزلت في الأَنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون ل مناة الطاغية التي كانوا يعبدون بالمشلل وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة ، فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا : يا رسول الله إذا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة ؛ أنزل الله تعالى ذكره : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما . قالت عائشة : ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما السعي بين الصفا والمروة ، فليس لأَحد أن يترك الطواف بينهما حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان رجال من الأَنصار ممن يهل لمناة في الجاهلية ومناة صنم بين مكة والمدينة ، قالوا : يا نبي الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة ، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما قال عروة : فقلت لعائشة : ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة السعي بين الصفا والمروة ، قال الله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ قالت : يا ابن أختي ألا ترى أنه يقول : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ قال الزهري : فذكرت ذلك لأَبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فقال : هذا العلم قال أبو بكر : ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون : لما أنزل الله الطواف بالبيت ولم ينزل الطواف بين الصفا والمروة ، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة ، وإن الله قد ذكر الطواف بالبيت ، ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية كلها . قال أبو بكر : فأسمع أن هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما فيمن طاف وفيمن لم يطف . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة ، قال : كان ناس من أهل تهامة لا يطوفون بين الصفا والمروة ، فأنزل الله : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره قد جعل السعي بين الصفا والمروة الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله ، كما جعل الطواف بالبيت من شعائره . فأما قوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فجائز أن يكون قيل لكلا الفريقين اللذين تخوف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنمين اللذين ذكرهما الشعبي ، وبعضهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما في الجاهلية على ما روي عن عائشة . وأي الأَمرين كان من ذلك فليس في قول الله تعالى ذكره : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما الآية ، دلالة على أنه عنى به وضع الحرج عمن طاف بهما ، من أجل أن الطواف بهما كان غير جائز بحظر الله ذلك ثم جعل الطواف بهما رخصة لإِجماع الجميع ، على أن الله تعالى ذكره لم يحظر ذلك في وقت ، ثم رخص فيه بقوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما . وإنما